استراحة أدبية

لحن كانبان على خوادم تدور

(على منوال «لحن ماثوركا على ميتين» لكاميلو خوسيه ثيلا)

استمع إلى القصة0:00 / 0:00
بصوتعمر زكريا@kitabologia

المطر يهطل على قرية وادي الصفصاف منذ أن قُتل منصور بن العرجاء، والناس هنا يقولون إن المطر لا يتوقف حتى يؤخذ الثأر، والثأر لا يؤخذ لأن أحدًا لا يعرف على وجه اليقين من ضرب الضربة، وإن كان الجميع يعرفون. أبو حاتم صاحب الطاحونة له أذن واحدة، الأخرى قضمها له خنزير وهو نائم في العرس، ومع ذلك يسمع أكثر من كل أهل القرية مجتمعين؛ أبو حاتم يقول إن القاتل يمشي بيننا ويشرب من بئرنا، ثم يبصق ويصمت، والمطر يهطل.

بنتُ الحلاق، التي تزوجت ثلاث مرات ومات أزواجها الثلاثة كلٌّ بطريقته — الأول من الحمى، والثاني من البغل، والثالث من اللسان الطويل — تقسم أنها رأت في الليلة تلك ظلًّا يعبر الجسر، والظلال هنا كثيرة لأن الموتى في وادي الصفصاف لا يرقدون جيدًا. المطر يهطل على القبور وعلى الأحياء بالعدل نفسه، وهذا أعدل ما في هذه البلاد.

وعلى مرمى واد من وادي الصفصاف، الخوادم تدور في قرية طوالبة منذ أن أقسم صاحبها ألّا يتقاضى قرشًا من أحد، والناس هنا يقولون إن الرجل الذي لا يتقاضى قرشًا إما وليّ وإما مجنون، وربما كان الاثنين معًا، فالفرق بينهما في بلادنا أقل من شعرة. الخوادم تدور، والبطاقات تنتقل من عمود «المطلوب» إلى عمود «الجاري» إلى عمود «المنجَز» كما تنتقل أرواح الموتى من الدنيا إلى البرزخ إلى ما لا يعلمه إلا الله، ولا أحد يدفع.

أبو زيد، الذي يدير شركة كبيرة ويلبس ساعة تساوي راتب معلّمين اثنين، جاء ذات يوم يريد أن يضع على اللوحة المجانية ألف موظف وعشرة آلاف بطاقة؛ أبو زيد يشبه خنزير الطاحونة الذي كان يأكل من أكياس الجيران ثم ينام في ظلّهم. قيل له: هذه اللوحة للصغار، للطالب الذي ينظّم دروسه، وللخيّاطة التي تحسب طلبات الزبائن، وللعاطل الذي يرتّب أحلامه في عمود «المطلوب» وهو يعلم أنها لن تغادره أبدًا. فغضب أبو زيد ومضى، والخوادم تدور، ولا أحد يدفع.

أرملة الحاج سلمان، التي دفنت زوجها وورثت عنه دفترًا مليئًا بالديون وذاكرة مليئة بالمواعيد، تعلّمت أن تسحب البطاقة بإصبعها من عمود إلى عمود، وقالت إنها المرة الأولى منذ ثلاثين سنة التي تنتقل فيها أمورها من مكان إلى مكان دون أن يمدّ أحدهم يده إلى جيبها. والناس في القرية يتهامسون: إلى متى؟ فكل شيء مجاني في هذه الدنيا ينتهي، كما ينتهي المطر وكما ينتهي العزاء وكما تنتهي حرارة الخبز. ويجيبهم أبو حاتم ذو الأذن الواحدة، وهو يسمع أكثر من الجميع: يبقى ما دام صاحبه قادرًا على إطعام الخوادم، والخوادم كالبغال، لا تعمل بالدعاء وحده.

وهكذا تمضي الأيام في قرية طوالبة: البطاقات تُسحب وتُفلَت، والمهام تُنجَز أو لا تُنجَز، وأبو زيد يحوم حول اللوحة كالذئب حول الحظيرة، والخوادم تدور، ولا أحد يدفع، ولا أحد يدفع.

وفي قرية طوالبة يقولون أيضًا إن العمل الذي لا يُكتب يضيع، والعمل الذي يُكتب ولا يُنظَر إليه يضيع أيضًا، ولكن ببطء أكثر، والبطء هنا فضيلة الفقراء الوحيدة. اللوحة معلّقة أمام الجميع، نظيفة كصحن العروس، سريعة كلسان بنت الحلاق، وعليها تنتقل المهام من عمود إلى عمود كما ينتقل الغيم فوق الوادي: «مطلوب»، ثم «جارٍ»، ثم «أُنجِز»، والحمد لله على كل حال. واللوحة تمضي إلى الأمام، والعمل يمضي معها.

سليمان المستقل، الذي يعمل لحسابه منذ أن طرده صاحب المعمل لأنه سأله عن مستحقاته بصوت مسموع، صار ينظّم مهامه على اللوحة: تصليح موقع الجزّار، وشعار محلّ الأقمشة، وفاتورة لن يدفعها أحد. سليمان يقول إنه لأول مرة يرى تقدّمه بعينيه بدل أن يحسّه في ظهره، والفرق كبير، فالظهر يكذب والعين لا تكذب إلا في الحب. واللوحة تمضي إلى الأمام، والعمل يمضي معها.

والفرقة الصغيرة، ثلاثة شبّان وحاسوب واحد وحلم بحجم البلدية، وجدوها مجانية فلم يصدّقوا، لأن المجاني في بلادنا إما مسموم وإما مسروق وإما صدقة عن روح ميت. لكن أبا حاتم ذا الأذن الواحدة، وهو أعلم أهل القرية بالأصوات الخفية، طمأنهم: خذوا ولا تخافوا، فصاحبها لا يريد منكم إلا أن تنجزوا أعمالكم ببساطة، والبساطة يا أولادي أندر من المطر في آب. فأخذوا، ووزّعوا البطاقات، وكتبوا المواعيد، وتشاجروا في التعليقات كما يتشاجر الورثة على شجرة زيتون، ثم أنجزوا. واللوحة تمضي إلى الأمام، والعمل يمضي معها، والعمل يمضي معها.